علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
65
الصداقة والصديق
أخلاق بين الناس ، ولا خلق إلّا ما هذّبه الدين ، ولا دين إلّا ما هذّبه الخلق ، [ قول لابن المعتز ] على أن ابن المعتز أبا العباس قال : لست لمن خاشنني ألين ، ولا إذا عزّ أخي أهون ، ولعلّ هذا مسلّم لأبي العباس لسموق رتبته « 1 » ، وشرف نسبه ، ومستفيض أدبه وكرمه ، وبعد فالصراخ ممن يظن به أنه صديق ثم يخرج في مسك « 2 » عدوّ قديم ، والتشكي منه مردّد ، وليس إلّا الصبر والإغضاء ، ودفع الوقت ، وطرح الأذى عن الفكر ، وأنا أقول هذا لأني نظرت في حال الإنسان ، وصوّبت طرفي فيه وصعّدت ، وحسبت ما له وما عليه وحصلت ، وأجملت / ما به وفيه وفصلت ، [ فضيلة الصبر ] فلم أجد له شيئا خيرا من الصبر ، فيه يقاوم المكروه ، وتستدفع البليّة ، وبه يؤدى شكر النعمة ، [ أحوال الزمان ] وما أحلى ما أشار إليه الشاعر حين قال : إنّ الزمان على اختلاف مروره * ما زال يخلط حزنه بسروره لم يصف عيشا منذ كان لمعشر * إلّا وعاد يجدّ في تكديره فالعاقل النّحرير يلزم نفسه * صبرا عليه في جميع أموره وأحقّ ما صبر امرؤ من أجله * ما لا سبيل له إلى تغييره [ ضرر المعارف ] وحكى العلماء أن رجلا كتب على باب داره : جزى اللّه من لم نعرفه ولم يعرفنا خيرا . فإنّنا ما أتينا في نكبتنا هذه إلّا من المعارف ، وقد قال الآخر : كفاني اللّه شرّك يا ابن عمي * فأما الخير منك فقد كفاني نظرت فلم أجد أشفى لغيظي * من أني لا أراك ولا تراني [ ابتغاء السلامة ] ولقد قلت لابن أبي كانون : لم لا تخالط أصحاب ابن الرازي فأنشد :
--> ( 1 ) ج ق - ديانته . السموق : العلو . ( 2 ) المسك : الجلد .